• شعر الهايكو - حبر أون لاين

طفل الرّماد .. قراءات في نشأة شعر الهايكو الياباني وحضوره في الأدب العربي

طفل الرّماد .. قراءات في نشأة شعر الهايكو الياباني وحضوره في الأدب العربي

غريبةٌ تلك الفراشة

تحطّ على عشبٍ

فارقه الأريجُ!

“الشّاعر باشو”

بهذه الكلمات القليلة والبسيطة يتكوّن نصٌّ من شعر الهايكو الياباني.

إنّه مشهد واحد للحظة حاضرة أمام الشّاعر، يعبّر فيها عن شعور تشاركه فيه الطّبيعة على نحو ما.

أصول شعر الهايكو اليابانيّة

فشعر الهايكو هو شعر يابانيّ تقليديّ تستخدم لكتابته الّلغة العاميّة اليوميّة ليكون قريباً من النّاس بكلّ فئاتهم الثّقافيّة والمعرفيّة.

ويتميّز الهايكو بقصره، فهو عبارة عن سبعة عشر مقطعاً وفقاً لقواعد الكتابة اليابانيّة المعتمدة على المقاطع.

وتأتي هذه المقاطع على التّرتيب التّالي (5 – 7 – 5).

لتشكّل كلماتها لحظة حسيّة حاضرة أمام الشّاعر متجسّدة بأحد مظاهر الطّبيعة وعناصرها، تشارك الشّاعر في التّعبير عن فكرة تدور في مخيّلته.

وقد ارتبط شعر الهايكو في بداياته الّتي تعود إلى القرن السّابع عشر بفلسفة الزّنّ البوذيّة؛

القائمة على مبدأ أساسي هو الارتباط بالّلحظة الحاضرة والاستغراق بالتّأمّل والتّفكير فيها بمعزل عن الماضي والمستقبل،

والتّأمّل في الطّبيعة باعتبارها أصل الأشياء، وذلك يعود إلى جذور كثيرة في معتقدات البوذيّين.

فاعتمد الهايكو على لحظة تأمّل في عناصر الطّبيعة، والتّعبير عن هذا التّأمّل بمقاطع صغيرة لا يتجاوز زمن قراءتها زمن النّفس الواحد،

لتغدو الهايكو كأنّها تأوّه يخرج من عمق الشّاعر ويسقط على عناصر الطّبيعة أمامه.

ويعدّ الشّاعر الياباني “باشو” أب الهايكو ومؤسّس تعاليمه، أخذ عنه طلّابه هذا الشّعر وعملوا به، وانتشر انتشاراً كبيراً في الثّقافة اليابانيّة.

شعر الهايكو الياباني حديثاً

وقد تطوّر هذا الشّعر حديثاً في اليابان وبدأ يتحرّر من تعاليم فلسفة الزّنّ، ليوغل في الأبعاد الجماليّة والرّمزيّة الّتي يحمّلها إيّاه كُتّابه.

إلّا أنّه حافظ على سمتين رئيستين فيه هما: القصر وعدد المقاطع، ووجود عنصر الطّبيعة في القصيدة.

وتُرجم الهايكو الياباني إلى الإنكليزيّة ومنها إلى لغات كثيرة، وبدأ انتشاره يصل إلى العالم، فكتب الهايكو شعراء إسبان وفرس وألمان وغيرهم.

وتعني كلمة هايكو في اليابانيّة (طفل الرّماد) وبالنّظر إلى هذا التّعبير يصلنا إيحاؤه الّذي يعني ولادة الحياة من قلب الموت.

كما أنّ كلمة هايكو مؤلّفة من مقطعين هما “هاي” و”كو” ومعناهما بهذا الشّكل (الكلمة المضحكة)، وما هو إلّا تعبير يحمل حسّ الطّرافة بشكل جدّي.

حضور الهايكو في المشهد الأدبي العربي

إنّ دخول الهايكو إلى الثّقافة العربيّة وأدبها ليس ذو عمر طويل، إذ إنّ هذا النّمط الشّعري لم يلقَ رواجه بعد في المشهد الثّقافي.

ولم يحظَ بعد بالاهتمام الأدبي والنّقدي الّذي يؤصّل لمبادئه وتقنياته، وما زالت محاولات الكتابة فيه قليلة مقارنة مع الأجناس الأدبيّة الأخرى.

وتنتشر مؤخّراً مجموعات وصفحات عديدة عبر وسائل التّواصل الاجتماعي ينشر فيها جيل من الشّباب المثقّف المهتمّ بالهايكو أشعاره فيها.

ونجد بعض المؤلّفات النّقديّة والتّأريخيّة المترجمة غالباً عن اليابانيّة الّتي تنقل أصول هذا الشّعر من موطنه الأصلي، منها:

  • كتاب الهايكو، كوتا كاريا، ترجمة: محمّد عضيمة.
  • السّحر الآسيوي، ترجمة منير مزيد.
  • تاريخ الهايكو الياباني، ريو يوتسويا، ترجمة: سعيد بوكرامي.

وقد تحدّث بعض الأدباء والنّقّاد عن شعر الهايكو، مثل النّاقد والأديب المصري (د.جمال الجزيري).

إذ جمع مقالاته في شعر الهايكو في مؤلّف صادر عن دار كتابات جديدة للنّشر الإلكتروني عام 2016 بعنوان:

(مقدّمة نقديّة في قصيدة الهايكو – نقد أدبي) إلى جانب مجموعات شعريّة كلّها من نمط الهايكو.

كما كتب القاص والشّاعر الأردني (محمود الرّجبي) عن شعر الهايكو في مؤلّف صادر عام 2017 عن دار كتابات جديدة للنّشر الإلكتروني بعنوان:

(على حدود الهايكو – أفكار حول الهايكو)، وآخر سابق له في عام 2015 بعنوان (وجهة نظر في قصيدة الهايكو العربيّة).

ويقول محمود الرّجبي في تعريف الهايكو:

“إنّ الهايكو هو فنّ الوصف القائم على أساس الّلغة وحساسيّتها الخاصّة بها ومميّزاتها وصفاتها والحضارة الّتي ترتبط بها والمختلفة بين شعب وآخر بالمفاهيم والعادات والرّوحانيّات”.

وقد اعتمد النّاقد في هذا التّعريف مع ما يقوم عليه الهايكو أساساً من وصف للحظة حاضرة أمام الشّاعر المتأمّل لمظهر من مظاهر الطّبيعة.

ومن الجدير بالذّكر أنّ النّاقدين كليهما قد اصطلحا على تسمية الهايكو العربيّة بمصطلح (هكيدة) و(الهكيد).

ويعلّل ذلك د. جمال الجزيري بأنّه لفظ مأخوذ من كلمتي هايكو وكلمة القصيد العربيّة.

وإذ نقول تركيب (بيت القصيد) فنحن نقصد به لبّ المعنى المراد، وهكذا الهايكو يتوجّه إلى المعنى فوراً وببساطة في التّعبير.

ونشهد زخماً ليس بالقليل ولا بالكثير لشعر الهايكو العربي منشوراً على صفحات وسائل التّواصل أو في مجموعات صادرة عن دور نشر.

ولكن يبقى حضور وتداول شعر الهايكو في الأوساط الأدبيّة والنّقديّة متواضعاً.

وقد يعود ذلك إلى عدّة أمور منها أنّ الاختلاف الحضاري الّذي نشأ فيه شعر الهايكو في اليابان يختلف كليّاً عن الحاضن الحضاري الّذي أنشأ الشّعر العربي بقصائده الطّوال والمفعمة بالصّور والخيال والرّموز المرتبطة بالحاضر والماضي والمستقبل.

ممّا يجعل التّعبير المكثّف للهايكو بحاجة إلى دمج أكثر مع عناصر الأدب العربي وتفعيلاته الشّعريّة ومعانيه وأبعاده الثّقافيّة والفنّيّة.

****

المصادر:
  • وجهة نظر في قصيدة الهايكو العربيّة، محمود الرّجبي، دار كتابات جديدة للنّشر الإلكتروني، 2015.
  • مقدّمة نقديّة في قصيدة الهايكو، د. جمال الجزيري، دار كتابات جديدة للنّشر الإلكتروني، 2016.
  • على حدود الهايكو، محمود الرّجبي، دار كتابات جديدة للنّشر الإلكتروني، 2017.
  • تاريخ الهايكو الياباني، ريو يوتسويا، تر: سعيد بوكرامي، المجلّة العربيّة، الرّياض.
  • الرّوابط: 1 2

****

إعداد: نور رجب.

تصميم غرافيك: رهام حجلاوي.

****

واقرأ أيضاً في حبر أدب:

فضيحة تؤجّل جائزة نوبل للآداب لهذا العام

جائزة البوكر للرّواية العربيّة .. أصلها ومن فاز بها

أديبات كسرن حاجز النّسويّة.. فكيف تجاوزن حاجز الأدب النّسوي

****

تابع حبرنا عبر

twitter    instagram   facebook

لا يوجد تعليقات

    استمتع بهذه المدونة؟ يرجى نشر الكلمة

    Follow by Email
    Facebook
    Instagram