• الماضي - حبر أون لاين

رحلة إلى الماضي

صار عمري الآن خمسة وثلاثون عاماً لا أعلم كيف ابتعدت عن وطني طوال تلك السّنوات فأنا بالجنسيّة مواطن عربي سوري ولكن قضيت حياتي هنا بفرنسا. الماضي

أعيش وحدي فليس لدي أصدقاء سوى صديقٍ واحدٍ يدعى عزيز، هو فلسطيني الأصل ولكنّ حاله يشبه حالي فهو هنا منذ ما يقارب الأربعين عاماً.

أنا الآن بإنتظاره أجلس على إحدى المقاهي الفاخرة، أحتسي القهوة الفرنسيّة الّلذيذة مع قطعة “الكيك”.

أشاهد المعالم الجميلة والمباني الرّاقية الّتي تُزيّنها لتتحوّل إلى لوحة فنيّة مُزخرفة على جُدرانها، وألوانها الزّاهية تسبح بين أرصفتها.

أرى النّساء الفرنسيّات الجميلات وهنّ يتراقصن بأجسادهنّ فوق أحذيتهن الأنيقة ذات الكعب العالي، وكأنهنّ فراشات مملوءة بالحيوية والجمال، أشمُّ رائحة تفوح من حولي تذكّرني بشخصِ ما.

** رحلة إلى الماضي**

أغمضت عينيَّ قليلاً، كانت الشّمس تُسلّط ضوءها نحوي في هذه الّلحظة، حينها تحوّلت فرنسا ونساؤها وعطورها لصورة من حارتي القديمة وسيّداتها الجميلات وطلّتهم الدّمشقيّة السّاحرة، ورائحة خبزهم الّتي أشتهيها كلّ صباح.

أنا الآن طفل فالسّابعةٍ من عمره، كنت أمكث في غرفتي دوماً؛ فـأمّي كانت تأبى خروجي خوفاً عليّ.

في كلّ صباح كنتُ أنظر من نافذتي، أراقب الفتيات الصّغيرات وسيّدات حارتي يذهبن مع أمّي إلى البيت الكبير (ساحة كبيرة تملأ منها النّساء الماء) كانت ضحكاتهنّ تملأ المكان وصوت الفتيات وهنّ يلعبن حولهنَّ بالأواني الفخّاريّة الملوّنة يدوي في المكان.

** رحلة إلى الماضي**

كانت أمّي تنظر إليّ مبتسمة وهي ذاهبة

وفي تلك الّليلة ودّعتني أمّي بابتسامتها السّاحرة، وكانت تلك آخر نظراتها لي حينها..

صار الجّو مُعتماً وضبابيّاً، وكان هذا إثر دويّ انفجارٍ أمام منزلنا، صورة أمّي اختفت ولم أعد أراها.

أسرعت إلى مكان أختبئ فيه، ووضعت مُسجِّلاً على أذنيِّ، كي لا أستمع لأصوات الصّراخ الهائجة.

لا أعلم كم من الوقت مرّ حتّى شعرتُ بيدِ شقيقتي وهي تجذبني إليها، كانت تتلحّف بالسّواد وتُغمرني به وتضمّني لأحضانها، لم أعلم كيف أخبرها بأنّني أخشاها ورائحتها تخنقني، ولم أكن أعلم بأنّها رائحة التّراب الملوّث بدماء أمّي.

دخل أبي مهرولاً وحملني على ظهره وأمسك بيدٍ شقيقتي وخرجنا مسرعين من منزلنا

“أمّي صورتها كانت على المنضدة، مدًدت يدي لأمسك بها ولكنّ أبي كان مسرعاً

فكانت تلك المرّة الأخيرة الّتي رأيتها فيها..

 ** رحلة إلى الماضي **

نحنٌ الآن نسير في حارتنا الّتي اختفت ملامحها، شجرة الياسمين الّتي زرعتها أمّي صارت رماداً، وتحوّلت رائحة الجو الضّاحكة إلى رائحة حزن وآلم وفراق للأهل.

أنا الآن أرى منزل جدّتي سعاد، كان مُدمّراً وتلاشت آثار حديقتها الجميلة. ومدرستي لا أثر لها، حتّى منزل صديقي خالد لم يعد موجوداً.. تُرى ماذا حدث له ولقطّته الصّغيرة الّتي كنت أتلهّف للّعب معها؟  كلّها صارت من الماضي ..

أنظر لأسفل فأرى أقدام أبي تترك أثاراً من الدّم، أنظر حولي فأرى نهراً يفيض باللّون الأحمر، امتزجت معه دموع من فقدناهم ورحلوا.

لوهلة صغيرة ظننتٌ أنّي داخل حلم مزعج والآن ستأتي أمّي وتناديني.

وفجأة خرق أذنيّ صوت انفجار آخر، فلم أشعر سوى بجسدي الصّغير والهزيل يهوي على الأرض، حينها غيّمت الدّنيا وصار الضّباب يتكاثر أكثر فأكثر، ما عدتُ أرى أبي ولا شقيقتي، فأغمضتُ عينيّ واستسلمت..

صوت يناديني.. حمزة.. كان هذا صوت صديقي

ظلّ يربت على كتفي حتى انتبهتُ له حينها وجدت نفسي أجلس على طاولتي ومازلت رائحة القهوة تفوح في المكان.

مرّت بائعة الورد من أمامي، اشتريت منها وردة، ابتسمت وقلت لها هذه الوردة هي أمّي.

****

بقلم: شيريناز مجدي “شيرين رضا”.

تصميم غرافيك: رهام حجلاوي.

****

واقرأ أيضاً لشيريناز مجدي “شيرين رضا”:

عائدة من رحم الّليل

مذكراتي خريف عمري 2

مذكراتي خريف عمري 1

الانتحار الّلذيذ – المشهد الأوّل

الانتحار الّلذيذ – المشهد الثّاني

الانتحار الّلذيذ – المشهد الثّالث

****

تابع حبرنا عبر

twitter    instagram   facebook

لا يوجد تعليقات

    استمتع بهذه المدونة؟ يرجى نشر الكلمة

    Follow by Email
    Facebook
    Instagram