• الحبّ - حبر أون لاين

الحبّ بين الواقع والخيال .. قراءة نقديّة

الحبّ .. من السّهل أن نشعر به فإمّا أن نعرفه وهذا صعب، فنحن إذاً نهرب بعيدًا، بعيدًا جدًّا عن ذلك الواقع الّذي أحرق أحلامنا وسكب الحبر فوق ما كنّا نسعى للاعتراف به.

أفكارنا مشتّتة بين ما نرغب فيه وبين ما نتعايش معه ونتساءل:

هل للحبّ نهاية؟ أم هذا ما نرغب به أن يكون!

هل ظلمنا أنفسنا عندما استسلمنا لقصص الحبّ المملوءة برغبة الحياة ونشوتها ، فجعلنا من أنفسنا مادةً سهل التلاعب بها حتى أصبحنا عبيداً لها؟

عبيداً؟ تلك الكلمة كم تحمل عكس ما نفوق تخيّله!!

فالعبد ليس حرّاً، ليس سيّد نفسه فبماذا يفيد الحبُّ العبوديّة الّتي نقيّد بها الصّور الجماليّة له؟

الحب معضلة كلّ الأزمان، ولن نعلم معناه وكيف هو.

فلكلّ زمن قصّة تروي لنا حكاياتٍ عنه، ولكلّ حكاية صورة تُرهبنا منه فلا تجعلنا نراه بشكلٍ صحيح، فالحبّ حلّ وليس مشكلة، تفسيراً وليس أحجية.

ولكن نحن من هدم ذلك الصّرح الشّامخ وتركنا بعض القصص والرّوايات ترويه لنا.

 كيف نقول إنّنا نعيش زمن الحب؟ وهل ما نشعر به هو الحبّ حقّاً أم لا!

فالحبّ كلمة لها مدلول شامل في حياتنا، كم صورة للحبّ نراها كلّ يوم؟ ونسعى لتحقيقها ونكاد نصل فتنزلق أقدامنا ونقع داخل هوّة لا نهاية لها من الوجع؟!

فهو رمز من رموز الحياة نوثّق به مفهوم إنسانيّتنا على الأرض فيجعلنا نعلم ونتعلّم معنى أن تكون مُنطفِئاً قبل أن تحبّ.

الحبّ قوّة، فعل، نشاط، وانفعال.. هو تجربتنا الإنسانيّة الّتي شملت وجدانيّتنا وخبراتنا الوجوديّة فبعض التّغيّرات الزّمنيّة من واقع اجتماعي وأدبي جعلت بعض المفكّرين والفلاسفة يدوّنون رؤيته عن الحبّ.

فبحثوا في تغّير نظرتنا وكيف أصبحت تشمل معانٍ أخرى من صور الحبّ عرضها الأدب بكلّ ألوانه بداية من أشعار عنترة وغزله لعبلة وجنون قيس الّذي غيّر نظرات الكثير من العشّاق، وصور أخرى قدّمها الأدب الغربي.

صور الحبّ في الأدب الغربي:

عرض شكسبير في مسرحه صور الحبّ وتضحياته الّتي فاقت تصوّرنا كعطيل وحبه لديديمونا، ولنا أمام أسطورة أورفيوس وحبّه الّذي ذهب ليعيده من الموت خير مثال.

يقول دانتي:” إنّ الحبّ قوّة كونيّة” أي أنّ للحبّ قوّة لا تضاهيها قوّة الكون”.

فهو يشبه الضّوء يخترقنا ليتعدّى أي زمنٍ كان، فهو يتعّدى مفهوم لذّتنا وعاطفتنا الجسديّة وأنانيّتنا الّتي نفرط فيها، فنحن نعيش لنحبّ ونحبّ لنعيش فكيف نثبت تلك النّظريّة في أوساط لا ترى الحبّ سوى في الجسد؟

الحبّ بين الرّوح والجسد

كتب “أوشو” في كتابه (من الجنس إلى أعلى درجات الوعي):

إنّ الحب هو المادّة الرّئيسة في تكوين مفهوم الإنسانيّة، وإن كان أشار لبعض العلاقات الحميميّةفقد ربط بناء الجنس وفعله برابطة الحب، ولهذا فالحب مركّب أساسي في بناء تلك العمليّة البيولوچيّة ومنها تستمرّ الحياة.

ولهذا وصف تلك العلاقة المقدّسة بالسّامادهيّة أي الوصول للتّوازن الرّوحي والإيمان بالحبّ والاعتراف بمدى روحانيّة علاقتنا بالحب فالعلاقة بلا حب لا معنى لها.

ولهذا عندما نعترف بالوقوع في الحب فهذا خطأ شاسع لأن الحبّ لا يكون بالسّقوط بل بالارتقاء.

من جانب آخر نرى صراعاً يجمع بين الحبّ والموت وكيف يمكن للحبّ أن يغلب تلك الصّورة الواقعيّة المميتة.

ما بين الحبّ والموت

الحبّ يغلب الموت فهو ترياق لتلك الأفعى السّامّة، لأنّ الحبّ الحقيقي لا يستوعب الموت ولا يعترف به، ولهذا فكلاهما عدوٌّ للآخر، فالموت يغتصب الحياة والحبّ يهبنا الحياة.

كان “باتريك روزسكيندا” يعرض لنا في إحدى كتبه صورة فنية لإحدى لوحات الرّسّام “هودلر”في لوحته الشّهيرة “الّليل” والّتي عرضت صراع الموت والحبّ والجنس معاً، وكيف كان الموت يحاولاغتصاب الحب وقمعه عن الاستمراريّة.

فرسم لنا لوحة لمواجهة الموت بين الحب وممارسته، فقد كانت تمثّل جسراً لظهور تلك الأنياب كيف رسم صورة تضليليّة للموت عن طريق الحب.

ولهذا قد نجد أنّ الحب هو الحماقة والجنون والتّمرّد، هو معادل ما بين عودتنا من زمنٍ كنّا نعيش فيه الحب وبين الموت وهنا نرى أنّ الحب يكبح جماح أفعى الموت.

وكثيراً من الأحيان نراه يدفعنا لأفعال سلوكيّة تودي بنا إلى الهلاك، وهذا الصّراع الأبدي بين الحب والموت سيظلّ مستمرّاً.

هل تلك الصّور فاقت العقل فقط أم أنّها صارت من صور الخيال الّذي ننبش فيه لعلنا نجد من نحب؟

قال “كافكا ” لـ “ميلينا”: أنا رخو صامت، طوال الوقت، انطوائي كئيب، متذمّر أنانيّ وسوادوي فكان ردّها: ولو كنت مجرّد جثّة في العالم، فأنا أحبّك.

هل تلك إحدى صور الحب الّتي نبحث عنها!? لقد أصبحنا نبحث عن الحب ولا نعلم مدلوله.

فهل قضى الأدب والفن على تلك المنطقيّة العرضيّة بعرضه لمثل تلك الصّور والقصص أم انجرفنا نحن بما ينساق إليه عقلنا بلا إدراك؟؟؟

فالنّاس قد أحبّوا ونسوا أن يحبّوا الحبّ لذاته..

وتلك هي المعضلة.

****

إعداد: شيريناز مجدي “شيرين رضا”.

تدقيق لغوي: زهور محمّد.

مراجعة: نور رجب.

تصميم غرافيك: رهام حجلاوي.

****

واقرأ أيضاً في حبر أدب:

مفهوم الثّقافة الدّينيّة وحضوره في الأدب

ساق البامبو .. بلا جذور

ما السّرّ وراء رواج كتب التّنمية البشريّة ؟

ترانيم في كواليس الحرف .. قراءة لمجموعة خواطر ” تقوى مليّس “

مصطلحات الفلسفة الوجوديّة ومارتن هايديجر

جبران ومي.. الحب الصوفي السّامي

أحمد خيري العمري.. مزيج من الإبداع بلمسة راقية

أوراق نضرة.. نماذج من شعر الهايكو بين أصله الياباني وحضوره العربي

فضيحة تؤجّل جائزة نوبل للآداب لهذا العام

التّبراع .. مذهب الموريتانيّات في الحبّ

طفل الرّماد .. قراءات في نشأة شعر الهايكو الياباني وحضوره في الأدب العربي

جائزة البوكر للرّواية العربيّة .. أصلها ومن فاز بها

أديبات كسرن حاجز النّسويّة.. فكيف تجاوزن حاجز الأدب النّسوي

****

تابع حبرنا عبر

twitter    instagram   facebook

لا يوجد تعليقات

    استمتع بهذه المدونة؟ يرجى نشر الكلمة

    Follow by Email
    Facebook
    Instagram