• أبو البقاء الرّندي - حبر أون لاين

أبو البقاء الرّندي .. وروح الأندلس

” كان خاتمة الأدباء بالأندلس بارع التّصرّف في منظوم الكلام ومنثوره” [1]، في شعره رقّة مرهفة، ومعانٍ أعمق من العمق، كانت نصوصه الشّعريّة راية استنصار واستصراخ تحكي حال الأندلس في أيّامها الأخيرة مع الحكم العربي.

إنّه أبو البقاء الرّندي ..

أبو البقاء الرّندي .. سيرة ذاتيّة:

هو صالح بن زيد بن صالح بن موسى بن علي بن الشريف النفري، وهو من أهل رُندة، ويُكنّى بأبي البقاء وأبي الطيب، عاش بين عامي (601 – 684ه).

ممّا كان معروفاً ووصل إلينا من مصادر تاريخ الأندلس وأبنائها يتحدّث عن علاقته الوطيدة مع حكّام بني الأحمر الّذين كانوا يحكمون غرناطة، وذلك بسبب كثرة رحلاته إليها.

ثقافيّاً كان أبو البقاء الرّندي ملمّاً بعلوم عصره ولم يقتصر نتاجه على الشّعر، فنجد له في النّقد كتاب (الوافي في نظم القوافي)، وفي الثّقافة والأدب كتاب (روضة الأنس ونزهة النّفس).

أمّا ديوانه الشعري فمفقود وما وصل إلينا من شعره كان عن طريق كتب التّراجم والتّاريخ الأندلسي الّتي وصلتنا[2].

أبو البقاء الرّندي وروح الأندلس في شعره:

لقد عاصر أبو البقاء الرّندي فترة مليئة بالأحداث والصّراعات، وكان لتقرّبه من حكّام بني الأحمر ومعرفته باضطرابات الحكم والأوضاع في البلاد أثره على شعره.

وتظهر في شعره أيضاً مؤثّرات ثقافته الواسعة، ويمكن أن نلاحظ سمات عامّة تحدّد شعره وتميّزه وأهمّها الّلغة السّهلة البسيطة الّتي تناسب طبيعة المجتمع في عصره وفي كلّ العصور عامّة.

ونستطيع أن نتبيّن ثلاثة محاور أساسيّة في شعره لها خصوصّية في الكتابة وهي: المديح، الغزل، والرّثاء.

نماذج من شعر أبي البقاء:

في المديح ارتبط شعره بأمراء بني الأحمر، فكتب قصائده في مدح خصالهم وشجاعتهم ونراه يقول:

إذا ما قيل في يده غمام          فقد بُخِست وقد خُدِع الغمام[3]

يصوّر ممدوحه هنا بصورة مبالغة في الكرم، فهو يفوق السّحب بكرمه ولا تطال الغيوم كرمه.

أمّا الغزل عند الرّندي فلم يكن إلّا في مقدّمات قصائد المدح، وهو ما تجري عليه القصائد التّقليديّة، وهذا الغزل لا يكون واقعيّاً، إلّا أنّنا نجد فيه براعة في التّصوير، وعمقاً في المعاني واختيار الألفاظ[4]:

يا سالب القلب منّي عندما رمقا  …      لم يبقِ حبّك لي صبراً ولا رمقا

لا تسألِ اليوم عمّا كابدت كبدي …        ليت الفراق وليت الحبّ ما خُلقا

ما باختياري ذقت الحبّ ثانية     …        وإنّما جازتِ الأقدار فاتّفقا

وكنت في كلفي الدّاعي إلى تلفي … مثل الفراش أحبّ النّار فاحترقا

يا من تجلّى إلى سرّي فصيّرني   …    دكّاً وهزّ فؤادي عندما صعقا

انظر إليَّ فإنّ النّفس قد تلفت     …     رفقاً على الرّوح إنّ الرّوح قد زهقا

تتجلّى روعة الأبيات هنا من الطّباق في الجناس في اختيار الألفاظ (رمقا: أي نظر، ورمقا في آخر البيت أي بقيّة الرّوح).

وكذلك (كلفي، تلفي) فهذا الجرس الموسيقي بين الألفاظ يكسب النّص نصاعة ورقّة، إضافة إلى وضوح المعنى ورهافته، رغم اختياره لحرف رويّ قويّ لكنّه يوحي بالألم والحرقة وهو القاف الممدود بالألف أي المطلق الّذي يسمح للآهات أن تدفّق وللعبرات أن تصدح.

رثاء الأندس.. واسطة العقد في شعر الرّندي

لقد كانت القصيدة النّونيّة (ونقصد بذلك أنّ حرف الرّوي الّذي تنتهي به كلّ الأبيات فيها هو النّون) جواز عبور له عبر الزّمان والتّاريخ.

فدموعه واضحة على نقاط حروفها، وآهات روحه تنبعث من بين كلماتها، وتختبئ خلف معانيها دلالات كثيرة.

وقد كتب هذه القصيدة بعد تنازل بني الأحمر عن عدد من الثّغور والمدن والحصون أي فيما بعد عام (665ه)[5].

وسنورد فيما يلي بعضاً من أبياتها[6]:

لكلِّ شــيءٍ إذا مــــا تــــمَّ نـقـصـــانُ… فــــلا يُـــغَـــرَّ بـــطــيــــبِ الـــعيشِ إنسـانُ

هـيَ الأمـــورُ كـمــا شــاهــدْتَــهـا دولٌ … مـــــن ســــرَّهُ زمـــــنٌ ســـاءَتْـــــهُ أزمـــانُ

وهــذه الـــدّارُ لا تــبــقـي علـى أحـدٍ …       ولا يـــدومُ عــلـى حــالٍ لها شــــانُ

فــجــــائـعُ الـدّهــرِ أنــواعٌ مــنــوّعــــةٌ  …     ولـلزّمـانِ مــســـرّاتٌ وأحـزانُ

ولـلــــحــوادثُ ســلـوانٌ يـــهـوِّنُــهـا  …       ومـا لمــا حـلَّ بالإسـلامِ سـلـوانُ

فــاســألْ بلــنسيّةَ مـا شــأنُ مـرســـيّــةٍ… وأيــنَ شـاطــبــةُ أم أيــنَ جــيّــانُ؟

وأيـنَ قـرطــبـةٌ دارُ الـعـلـومِ فـكم      …       مـن عـالـِمٍ قـد سمـا فـيها لهُ شانُ؟

يــا غـافـلًا ولـهُ فـي الـدّهرِ موعظـةً …   إن كـــنْــــتَ فــي ســـِنَـــةٍ فـــالـــدّهرُ يقظــــانُ

ومـاشـيًــا مـرحًـا يُـلـهـيـهِ مـوطـنُـهُ … أبــعـــدَ حـــمـــــصَ تـــغـــــرُّ الــمرءَ أوطـــانُ؟

تـلكَ الـمـصـيـبـةُ أنسَـتْ ما تقدّمَـهـا … ومـــا لـــهــــا مـــع طــــولِ الــــدّهــرِ نــسيـــــانُ

يـا راكـبيـنَ عـتـاقَ الـخـيلِ ضــامـرةً … كــأنّــهـــــا فــي مــجـــــالِ الــسّــبـــــقِ عــقــبـــــانُ

وحـاملـين سـيوفَ الـهنـدِ مُـرهـفـةً … كــــأنّـــهــــــا فـــــي ظــــــلامِ الــــنّــــقــــــعِ نـــيـــــــرانُ

وراتـعيـن وراءَ الــبحـرِ فـي دعــةٍ … لـــهـــم بـــأوطـــانِـــــهــــم عــــزٌّ وســــــلــــــطــــــانُ

أعـنـدكـم نـبـأُ مـن أهـلِ أنــدلــسٍ … فـــقـــد ســرى بحـــديثِ الـــقـــومِ ركـــبــــــــانُ؟

كم يستغيثُ بنو المستضعفيـنَ وهـم … أســـرى وقـــتـــلــى فـــمــا يـــهتـــزُّ إنســـــانُ؟

مــــــاذا التّــقاطعُ فــــي الإســلامِ بــينكم … وأنـــــــتـــــــم يـــــــا عـــــــبـــــــادَ الــــــلـــّهِ إخـــــــوانُ

ألا نـــفــوسٌ أبـــيّــاتٌ لـهـا هـمـمٌ … أمــــا عــــلــــى الــــخــــيرِ أنصارٌ وأعوانُ

يـا مـن لـذلّـةِ قـومٍ بـعــدَ عـزّهــمُ … أحــــالَ حــالَــهــــم كـــــفــــــرٌ وطــــغـــــــيــــــــــــانُ

بــالأمـــسِ كـانــــوا مـلوكًــا فــي منـازلِهم … والــــيــــومَ هــــم فــــي بــــلادِ الكفـــرِ عُبدانُ

فــلــو تــراهـــــم حيـارى لا دليـلَ لهـم … عــــلــيــهـــــمُ مــــن ثــــيــــــابِ الـــــــذّلِّ ألـــــــوانُ

ولــو رأيْـتَ بكــاهُـم عنــدَ بــيعهـمُ … لَــهـــالـــكَ الأمــــرُ واســــتــهــــوتْــــكَ أحــــزانُ

يـا رُبَّ أمٍّ و طـفـلٍ حـيـلَ بــيـنهُـمـا … كـــــــــمـــــــــــا تُــــــــــفــــــــــــــْرَقُ أرواحٌ وأبـــــــــــــدانُ

وطـفلـةٍ ما رأتْها الشّمسُ إذ برزَتْ … كـــــــأنّــــمـــــا هـــــي يـــــاقـــــوتٌ ومـــــــرجـــــــــانُ

لـمــثــلِ هـذا يذوبُ الـقلـبُ من كمدٍ … إن كـــــان فــــي الــــقلــــبِ إسلامٌ وإيمانُ

 

عن النّص

لقد نادى الرّندي واستصرخ في قصيدته كلّ العرب والمسلمين في كلّ البلاد لينقذوا الأندلس وأهها الّذين يتعرّضون للذّلّ والمهانة، لكنّ نداءه كان كنداء أصم لم يُسمع ولم يُجَب.

وقد استخدم في شعره أسماء بعض المدن الأندلسيّة (بلنسية، شاطبة، إشبيليّة) وغيرها وكأنّه بذكر هذه الأماكن يعيد لها الحياة أو يذكّر الآخرين بأمجادها.

ونجد في القصيدة أبياتاً من الحكمة تصلح لكلّ زمان ومكان، وكأنّ الرّندي قد أعطى عنواناً عامّاً لكلّ المصائب والأحزان الّتي يولّدها فقد الأوطان والأمان.

وبذلك غدا نصّه هذا ذائع الصّيت بما فيه من شحنة رثاء تحمل بقايا روحه وألمه، وبما فيه من صور محزنة أعادها التّاريخ مراراً وتكراراً مع تغّير في زمان الحدث ومكانه.

****

إعداد: نور رجب.

تصميم غرافيك: ديمة عدل.

****

المصادر والهوامش:

[1]  ان عبد الملك، الذّيل والتّكملة، السّفر السّابع، ص129.

[2]  ينظر: أبو البقاء الرندي، محمد رضوان الداية، ص33 ومابعدها.

[3] دراسات أندلسية، الطاهر مكي، ص 299.

[4] أبو البقاء الرندي، محمد رضوان الداية، ص 94.

[5] ينظر: رثاء المدن و الممالك الأندلسية، عبد الله الزيات، ص 375.

[6] النص مأخوذ كما ورد في كتاب أبو البقاء الرندي “شاعر رثاء الأندلس”، لمحمد رضوان الداية، من ص 134 حتى ص 140. و ينظر أيضًا: رثاء المدن و الممالك الأندلسية، عبد الله الزيات، ص 647 حتى 649.

****

واقرأ أيضاً في حبر أدب:

ما السّرّ وراء رواج كتب التّنمية البشريّة ؟

ترانيم في كواليس الحرف .. قراءة لمجموعة خواطر ” تقوى مليّس “

مصطلحات الفلسفة الوجوديّة ومارتن هايديجر

جبران ومي.. الحب الصوفي السّامي

أحمد خيري العمري.. مزيج من الإبداع بلمسة راقية

أوراق نضرة.. نماذج من شعر الهايكو بين أصله الياباني وحضوره العربي

فضيحة تؤجّل جائزة نوبل للآداب لهذا العام

التّبراع .. مذهب الموريتانيّات في الحبّ

طفل الرّماد .. قراءات في نشأة شعر الهايكو الياباني وحضوره في الأدب العربي

جائزة البوكر للرّواية العربيّة .. أصلها ومن فاز بها

أديبات كسرن حاجز النّسويّة.. فكيف تجاوزن حاجز الأدب النّسوي

****

تابع حبرنا عبر

twitter    instagram   facebook

لا يوجد تعليقات

    استمتع بهذه المدونة؟ يرجى نشر الكلمة

    Follow by Email
    Facebook
    Instagram